بهاء الدين الجندي اليمني
402
السلوك في طبقات العلماء والملوك
البقاء على ما كنت عليه فقال : ولم وقد رأيتك حين كلمتك كدت تقرب إلى قولي ؟ قال : ثمّ عذر يوجب الإعراض عن السبب ، فلم يعذره حتى أخبره المنام فقال : إنما كدت أوافقك لأنني علمت أنك إنما قلت لي ما قلت شفقة عليّ ، فلما رأيت ما رأيت وعلمت قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « الرؤيا الصالحة « 1 » جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة » ، عزمت على البقاء على حالي ، فبكى الأمير وقال : في أي شيء ما شاء ركبك ، وكانت وفاته سنة ثلاث وسبعين وستمائة . وقد عرض هنا ذكر الأمير ، وهو أحد أعيان الفضلاء والأمراء والكرماء فاتجه حينئذ بيان بعض اللائق من أحواله ، فهو أبو الحسن علي بن يحيى العنسي : بالنون بين السين والعين المهملتين نسبة إلى قبيلة كبيرة في اليمن خرج منها جمع من الفضلاء ، أصل بلده ( المكنة ) ببلد صهبان : بفتح الميم بعد الألف واللام وفتح الكاف والنون بعد تشديدها ثم هاء ساكنة « 2 » وكان له من المنصور مكانة عظيمة ورفع له طبلخانة « 3 » وأقطع له إقطاعا كثيرا وذلك أن المنصور كان ابن عمته وقيل ابن أخته ، ولم يزل معززا مكرما حتى توفي المنصور على ما يأتي تاريخه ، وكان يكره المظفر ويميل إلى أولاد عمه أسد الدين وأخيه ، فلما لزم المماليك فخر الدين وأوصلوه إلى المظفر أسيرا حسبه ورسم عليه المبارز بن برطاش ، فلما بلغ ذلك إلى علي بن يحيى هذا كتب إلى أسد الدين يحثه على القتال واستنقاذ أخيه من الأسر أبياتا وهي : أتراك تعلم يا محمد ما جرى * فتقودها « 4 » شعث النواصي ضمّرا جردا تراها في الأعنّة شزّبا * تفري السباسب واليباب المقفرا « 5 » قدها عرابا من تريم ومرخة * ودثينة حقّا ودع عنك المرا واقصد بها دربي زبيد على الوجا * لتقيم عذرا « 6 » أو تشيّد مفخرا واجنح إلى الملك المفضّل لذ به * شاوره حقا قل له ما ذا ترى
--> ( 1 ) المصدر السابق نفسه . ( 2 ) صهبان : بضم الصاد المهملة وسكون الهاء وفتح الباء الموحدة ثم ألف ونون مخلاف ، وهو ما كان يسمى قديما نعيمة انظر « صفة جزيرة العرب » ، والإكليل ، ج 2 ، والمكنة كما ضبطها المؤلف هي اليوم خراب في معشار هدفان بين مزارع الرعس والمسالقة . ( 3 ) الطبلخانة : بفتح الطاء وسكون الباء الموحدة ثم فتحات آخره نون وهي مجموعة آلة من الموسيقى كالطبل والنقارة والبوق والنفير والرباب وغير ذلك . ( 4 ) في العقود اللؤلؤية وقرة العيون تشنّها . ( 5 ) هذا البيت ساقط من العقود وقرة العيون : وكذلك ما بعده ، وتريم ومرخة ودثينة أماكن معروفة . ( 6 ) في المرجع المذكور لتقيم مجدا .